مما لا يخفى عن الجميع أن حالة التعليم القروي في بلادنا هي حالة مزرية, من منا لم يسمع عن حوادث أصابت المعلمين و المعلمات في عدد من البوادي المغربية, فهذا ضربته صاعقة أردته قتيلا, و تلك نهشت لحمها كلاب ضالة في الطريق للعمل, و أخرى نهشتها كلاب بشرية و تركتها مرمية في حقول الدواوير, و من هنا سنحاول تسليط الضوء على جزء بسيط من معاناة الأساتذة و الأستاذات العاملين في البوادي.
ما إن انقضت رحلة مسير شاقة لأربع معلمات في إحدى المجموعات المدرسية, حتى لاحت المدرسة من بعيد و قد لاحظن تجمهر التلاميذ عند المدخل, باقترابهن وجدن حيوانا معلقا بالباب, طبعا زادت الدهشة من تعبهن, و رغم ذعرهن من المنظر أظهرن الجلد أمام التلاميذ, هذا الحادث حدث مؤخرا في إحدى مجموعات إقليم مولاي يعقوب بفاس, و هو ليس إلا جزءا بسيطا من المعانات التي يعيشها آلاف المعلمين في القرى. لن نلقي اللائمة هنا على سكان البوادي, لكن على الحالة المزرية التي تعرفها المدارس هناك, فكيف لإنسان بسيط التفكير أن يحترم مكانا عموميا بدون رقيب أو حسيب, و دون أدنى شرط من شروط الأمان, فمدارسنا في البوادي تحولت لمز ابل تارة, و تارة أخرى مجلسا للسكارى و مكانا للسهر, تقول صفاء, أستاذة التعليم الابتدائي, عمرها اثنان و عشرون سنة:" أول مرة التحقت بالفرعية كنت سأموت فزعا و أنا أسمع صوت شباب تحت نوافذ القسم و هم يضحكون و يتحاكون النكت و يدخنون لفافات الحشيش, و يتجاذبون أطراف الحديث حول المعلمات و بنات الدوار, لكن بمرور سنتين من العمل أصبح المنظر عاديا, فالمدرسة دون أسوار و الأقسام هي المكان المفضل لشباب القرية".
أما رجاء فتذهب ابعد من ذلك, فهي و معلمتان أخريان, رماهما القدر في إحدى الفرعيات المعزولة, و الغير المجهزة بالسكن الإداري, لهذا وجدن أنفسهن مجبرات على السكن في الأقسام, و تصوروا معي إذا كانت ثلاث فتيات في أول العشرينيات يقضين ليلهن في حجرة بسيطة التجهيز في وسط أو في أطراف دوار, فمن الطبيعي أن يكن محط أنظار الجميع و هناك الكثير ممن يتمنى اصطيادهن و النيل منهن, لهذا فهي تقول أن كل ليالهن تمضينها في عذاب و أرق دائم خاصة عندما يكثر طرق بابهن ليلا:" فالإحساس بالخطر أتلف أعصابنا و جعلنا نفزع لصوت طرق الباب حتى في بيوتنا…"
أما سناء فهي أستاذة أمضت ست سنوات في أحد مدارس نيابة الحسيمة, و هناك كن محظوظات نوعا ما فقد كن تتوفرن على سكن إداري, و لكن أي سكن: باب خشبية مهددة بالكسر في أي لحظة, و سقف يقطر مع أولى الأمطار, و تقول أن صوت قطر الماء جعلهن يصبن بالجنون و كأنهن في معتقل فبلغ بهن الأمر إلى وضع فوط صحية في السقف ليحاربن البلل كما يقال في الإشهار‼ ناهيك عن التحرشات التي تعرضت لها هي و زميلاتها طيلة مكوثهن في البادية, فهي تقول أن السكان ينظرون للفتاة التي تركت عائلتها و تعيش وحيدة نظرة دونية, رغم تدريسها لأبنائهم.
هذا النوع من المعاناة يعاني منه أغلب المعلمين العاملين بالبوادي, غير أن هناك نوع آخر من المعاناة هي التي يعيشها الأساتذة الذين يتنقلون يوميا بين محل سكناهم في المدن و مقر العمل, لما لذلك التنقل من مخاطر يومية, و ما يجبر المعلمين على هذا التراقص بين محل السكن و مقر العمل, هو القرب نو






















